أبي منصور الماتريدي
120
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
أحدهما : على العلم ، أي : إني أعلم أنه ينزل بكم العذاب ؛ نحو قوله : وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما [ النساء : 35 ] أي : علمتم . وقوله : فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ [ البقرة : 229 ] أي : فإن علمتم أن يضيعا حدود الله . والثاني : يخاف عليهم « 1 » إشفاقا منه ؛ لأن الخلق جبلوا على أن يتألم بما يحل بغير حتى لا يكون في وسع بعض أن يروا ذلك في غيره . على هذين الوجهين يخرج الخوف على غيره ، وفي الخوف رجاء وفي الرجاء خوف ؛ لأن الخوف إذا لم يكن فيه رجاء فهو إياس ، وقال الله - عزّ وجل - : إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ [ يوسف : 87 ] ، والرجاء إذا لم يكن فيه خوف فهو أمن قال : فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا . . . كذا . وقوله - عزّ وجل - : فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ : قيل : أشراف قومه وأئمتهم « 2 » . ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا : وكذلك قال عامة القوم لرسلهم الذين بعثوا إليهم : ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا [ يس : 15 ] ، كان هذا احتجاجهم في رد الرسالات « 3 » يحتجون على الرسل فيقولون - والله أعلم - : إن الرسل في الشاهد إنما يجيئون من عند المرسل ، وأنتم نشأتم بين أظهرنا لم تأتونا من [ عند ] أحد في الظاهر ، والرسول هو الذي يأتي من عند غير ، ويكون للرسول خصوصية عند المرسل ، ولا نرى لك خصوصية لا في الخلقة ولا في القدرة والمال وغيره ، فكيف بعثتم إلينا رسلا دون أن نبعث نحن إليكم رسلا ؛ إذ أنتم ونحن في الخلقة سواء وفي الأمور الظاهرة سواء ؟ ! أو نحوه من الكلام ، احتجوا على رسلهم في رد الرسالة ؛ وكذلك كان عادة الكفرة يقولون للرسل إذا لزمتهم الحجة وأقيم عليهم نسبوها إلى السحر ، ونسبوا الرسل أنهم بشر مثلهم . فجواب هذا كله ما ذكر : إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ [ إبراهيم : 11 ] ، وما قال لهم نوح : يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ أي : آتاني رحمة من عنده ، وجعل لي بينة وبرهانا على ما آتاني رحمة من عنده بمثل هذا يحتج عليهم . ويقال أيضا : إنكم لا تنكرون فضل الله وتخصيص بعض على بعض بما جعلكم أئمة ورؤساء بأمور الدنيا على غيرهم ، فكيف تنكرون فضل الله وتخصيص بعض على بعض بفضل الدين والرسالة ؟ ! .
--> ( 1 ) في أ : عليكم . ( 2 ) ذكره البغوي ( 2 / 380 ) . ( 3 ) في أ : الرسالة .